وهبة الزحيلي
74
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
الإنسان أولا ، لا أنه خلقه حيوانا ثم جعله إنسانا ، ثم زوده بعد الخلق بطاقات الإدراك والمعرفة والعلم والعقل ، فأصبح هناك عقلاء ناطقون يتصرفون في قوام معايشهم ، لم يخلقهم عبثا ، وإنما لحكمة ورسالة معينة ، ومن قدر على هذا فهو أهل للعبادة والتسبيح . والتعبير بقوله : بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ إشارة بقوله بَشَرٌ إلى القوة المدركة المغايرة للحيوان ، وبقوله تَنْتَشِرُونَ إشارة إلى القوة المحركة ، وكلاهما من التراب عجيب . وقد خصّ اللّه تعالى بالذكر عنصري التراب والماء ، مع أن الإنسان مركب من العناصر الأربعة وهي التراب والماء والهواء والنار ؛ لأن الحاجة إلى الهواء والنار تكون بعد امتزاج الماء بالتراب ، ولأن المحسوس من العناصر في الغالب هو التراب والماء « 1 » . 2 - الدليل الثاني : بقاء النوع الإنساني بالتوالد : دلّ قوله تعالى مِنْ أَنْفُسِكُمْ على أن اللّه خلق حواء من جسم آدم كما قال بعضهم ، والصحيح كما قال الرازي : أن المراد منه من جنسكم ، كما قال تعالى : لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ [ التوبة 9 / 128 ] ، ويدل عليه قوله : لِتَسْكُنُوا إِلَيْها أي أن السكن والألفة والاطمئنان لا تتحقق إلا بين متحدي الجنس « 2 » . وأحاط اللّه تعالى رباط الزوجية بما يكفل دوامه واستمراره ، فجعل النساء موضع سكون قلبي واطمئنان للرجال ، وجعل بين الزوجين مودة ورحمة أي محبة وشفقة ، كما قال السدّي ، وروي معناه عن ابن عباس قال : المودّة : حبّ الرجل امرأته ، والرحمة : رحمته إياها أن يصيبها بسوء .
--> ( 1 ) تفسير الرازي : 25 / 108 - 110 ( 2 ) تفسير الرازي : 25 / 110